الشيخ أحمد فريد المزيدي

133

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

ويقول الجنيد : مكثت مدة طويلة لا يقدم البلد أحد الفقراء إلا سلبت حالي ودفعت إلى حاله فأطلبه ، حتى إذا وجدته تكلمت بحاله ، ورجعت إلى حالي ، وكنت لا أرى في النوم شيئا إلا رأيته في اليقظة « 1 » . وكان جعفر الخلدي يقول : لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير أبي القاسم الجنيد ، وإلا فأكثرهم كان يكون لأحدهم علم كثير ، ولا يكون له حال ، وآخر يكون له حال كثير وعلم يسير ، وأبو القاسم الجنيد كانت له حال خطيرة وعلم غزير ، فإذا رأيت حاله رجحته على علمه ، وإذا رأيت علمه رجّحته على حاله « 2 » . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : النقصان في الأحوال هي فروع لا تضرّ ، وإنما يضرّ التخلف مثقال ذرّة في حال الأصول ، فإذا أحكمت الأصول لم يضرّ نقص في الفروع « 3 » . قال الجنيد : لقيت شابّا من المريدين في البادية ، تحت شجرة من شجر أم غيلان ، فقلت : ما أجلسك هاهنا ؟ فقال حال الأصل : مال افتقدته . فمضيت ، وتركته ، فلما انصرفت من الحج إذا أنا بالشاب قد انتقل إلى موضع قريب من الشجرة ، فقلت : ما جلوسك هنا ؟ فقال : وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع ، فلزمته . قال الجنيد : فلا أدري أيهما كان أشرف : لزومه لافتقاد حاله ، أو لزومه للموضع الذي نال فيه مراده « 4 » . يحكى عن أبي عمرو الزجّاجي أنه قال : نهاني الجنيد أن أدخل على رويم ، فدخلت عليه يوما ، وكان قد دخل في شيء من أمور السلطان ، فدخل عليه الجنيد ، فرآني عنده ، فلما أن خرجنا قال الجنيد : كيف رأيته يا خراساني ؟ قلت : لا أدري . قال : إن الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته . وما كان رويم أعمر وقتا منه في هذه الأيام ، ولقد

--> ( 1 ) انظر : تاريخ بغداد للخطيب ( 7 / 244 ) . ( 2 ) انظر : تاريخ بغداد للخطيب ( 7 / 244 ) . ( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 289 ) . ( 4 ) انظر : التعرف ( ص 189 ) ، والرسالة ( 2 / 442 ) .